الشيخ محمد رضا مهدوي كني
291
البداية في الأخلاق العملية
ولا بد أن يثار السؤال التالي : كيف يمكن أن تكون النية أفضل أو أسوأ من العمل في حين انّ النية ليست سوى مقدمة للعمل ، والعمل هو المطلوب الأساسي الذي ترافقه الآثار السيئة أو الحسنة ؟ وإذا كانت النية أفضل من العمل فبامكاننا أن ننوي في اليوم الف نية جهاد واستشهاد أو الف نية ايثار وانفاق وألف نية إحياء وتهجد ، ولا داعي للعمل ، لأنّ النية خير من العمل وأفضل ! ! الإجابة : أولا - المراد بالنية هو العزم الجاد والإرادة الحقيقية لانجاز العمل وليس التصور والخيال الذهني . فهناك فارق كبير بين النية والتصور . فقد يتصور المرء الصلاة والصيام والحج وغيرها ويجسّدها أمام عينه دون ان يتخذ قرارا بالصلاة أو الصيام ، وقد يتصور صلاة الليل والجبهة والجهاد دون ان يعد نفسه لأداء صلاة الليل أو الذهاب إلى جبهات الجهاد ، فلا شك انها ليست سوى تصورات خيالية لا تحظى بأية قيمة ولا تتمتع بأي اعتبار ، ولا يكافئ اللّه تعالى أصحابها عليها . فالمعيار في الثواب والعقاب هو النية الصادقة والدافع الجاد ، فهما اللذان يقودان المرء نحو العمل . واللّه تعالى لا يثمّن الإرادة إلّا إذا كانت مصحوبة بالسعي : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً « 1 » . وهكذا نلاحظ كيف ان اللّه تعالى لم يجعل الإرادة وحدها معيارا وانما أرفق بها الايمان والعمل الصالح . ثانيا - ان النية الجادة ، تواجه أثناء العمل أحد انعكاسين : قد تواجه النجاح ، وقد تواجه الفشل . اي انّ المرء لا ينجح دائما في تحويل نيته إلى واقع عملي ، إلّا انّ نيته الخيرة تبقى ذات قيمة ومهمة في الحالتين إذا اتصفت بطابع الجد والصدق ، وهذه هي النية التي وصفت بأنها خير من العمل .
--> ( 1 ) الاسراء / 19 .